منتدى قلب الشام


    قراءة في مضامين رسالة عمان

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 152
    تاريخ التسجيل : 14/08/2009
    العمر : 22

    قراءة في مضامين رسالة عمان

    مُساهمة  Admin في الأربعاء نوفمبر 04, 2009 11:35 am

    تعريف عام بدين الإسلام

    (قراءة في مضامين رسالة عمّان)

    بقلم: الشيخ أمجد يوسف المستريحي



    حقيقة الإسلام أنه دين الله الذي نزل من السماء ليصلح الأرض، ويربط العالم بعضه ببعض، ويوثق العلاقة بين الخالق والمخلوق على أساس العقيدة الصافية، والعبادة الهادية، ويجعل العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس العدالة الكاملة، والرحمة الشاملة، والمعاملة الكريمة والسياسة الرحيمة.

    وإن من ينظر إلى شريعة الإسلام يجدها كافية وافية شافية، جاءت بما فيه كمال الروح والبدن، وصلاح الفرد والأمة، وهناء العالم بأسره، فأقامت البرهان على أن الإسلام دين إنساني عالمي واقعي، نزل من السماء ليحكم الأرض، وليملأها عدلا وسلاما، ومحبة ووئاما، ورخاء ورفاهية.

    والإسلام دين واقعي التزم في كل ما شرعه أن يلائم طاقة الإنسان، ويناسب مقدرته فلا يكلفه شططا، ولا يرهقه عسرا، ولا يطلب منه ما يحرجه أو يشق عليه قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر َ} البقرة 185، وقال: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا} البقرة 286، وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً} النساء 28، وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} المائدة 6.

    وإن أوضاع العالم المتوترة تستدعي من المسلم الكلم الطيب، والقول السديد، والدفع بالتي هي أحسن استجابة لأمر الله: {وقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } الإسراء 53، ومتى كان التعايش السلمي ممكناً فإن المصير إلى ما سواه جناية بحق البشرية فوق أي أرض، وتحت أي سماء، وعلى أية ملة قال الله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} الأنفال 63، والدين الإسلامي هو الأقدر على وضع الحلول للأزمات المستعصية، وتوفير أجواء تحقق للإنسانية العيش الكريم، وكيف تتأزم الأمور في ظله؟ وهو لا ينهى عن البر والقسط لكل مخالف في العقيدة، ما لم يقاتل في الدين، أو يخرج المسلمين من ديارهم، أو يظاهر عليهم الأعداء والمحاربين قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} الممتحنة 8، ومتى توخت الحضارات العدل والصدق، ووفرت الحقوق، ووحدت المواقف والمكاييل، أمكن الانتقال من الصدام إلى الحوار، ومن التناحر إلى التعاذر، ومن التناوش إلى التعايش.

    فإذا ما سأل سائل لماذا قاتل المسلمون ودخلوا في معارك متعددة؟ فإن الجواب على هذا السؤال يعرفه كل إنسان منصف وعادل قرأ التاريخ بموضوعية ونزاهة، ولا يؤخذ الجواب من إنسان حاسد حاقد يمتلئ قلبه ظلماً وعدواناً على الإسلام وأهله، لأن الظالمين بآيات الله يجحدون، والظلم هو السبب الأول لفرض القتال على المسلمين قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} الحج 39، وعليه؛ فالقتال ليس غاية بحد ذاته في الإسلام، وإنما هو وسيلة لتحقيق غاية نبيلة ترمي إلى إحقاق الحق، وإرساء أسس العدل والمساواة والسلام.

    والإسلام دين يحرم الظلم ويدعو إلى السلام، والسلام: اسم جليل من أسماء الله الحسنى، روى الحاكم من حديث انس قال: (قال جبريل عليه السلام: إن الله يقرئ خديجة السلام، فقالت: إن الله هو السلام، وعليك السلام، ورحمة الله) رواه الحاكم في المستدرك ، قال ابن حجر: عرفت خديجة لصحة فهمها أن الله لا يُرَدُّ عليه السلام كما يُرد على المخلوقين، لان السلام اسم من أسماء الله وهو أيضاً دعاء بالسلام، وكلاهما لا يصلح أن يرد به على الله، فكأنها قالت: كيف أقول عليه السلام، والسلام اسمه، ومنه يطلب ومنه يحصل.

    ويعرف كل مسلم أن دار السلام هي الجنة التي يشتاق إليها المؤمن، ويطلبها من الله عز وجل في الليل والنهار، ويجتهد في أعماله الصالحة، آملاً من الله أن يكون من أهلها، قال تعالى: {وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ} يونس25، أي يدعو إلى الجنة دار السرور والإقامة.

    ولأثر السلام وأهميته فقد جعل الحق عز وجل تحية المؤمنين بعضهم بعضا سلام عليكم كما تحييهم بذلك الملائكة، قال تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يونس 10، وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تعريف المسلم أجاب: (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَده)، وفي الحديث أن رجلاً أتَى عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍو وَعِنْدَهُ الْقَوْمُ حَتى جَلَسَ عِنْدَهُ، فَقالَ أخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله e فقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله e يَقُولُ: (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عَنْهُ) رواه أبو داوود.

    من هذا التعريف يتبين لنا أن المسلمين يسعون للسلام ويطلبونه، ولا يعرفون العنف والقسوة، ولا يصدر منهم أذى أو شدة لأي إنسان، بينما أعداء الإسلام يقابلونهم بالظلم والعدوان، لذلك أُذن لهم بالقتال قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} الحج 39؛ قال ابن عباس: هذه أول آية نزلت في الجهاد، قال المفسرون: هم أصحاب رسول الله، وكان المشركون يؤذونهم أذى شديداً، وكانوا يأتون رسول الله e بين مضروب ومشجوج ويتظلمون إليه فيقول لهم: (اصبروا فإني لم أؤمر بقتال)، واستمر هذا الأمر حتى هاجروا فأُنزلت هذه الآية، وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نُهي عنه في أكثر من سبعين آية.

    وقد صدع الرسول e لأمر ربه فقام بتنفيذ أمره داعيا الناس إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ودعاهم بأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة وجادَلهم بالتي هي أحسن، وكان يقول لهم: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، ويقول كما أمره الله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} الكهف 29، ومع أنه e أقام الحجة عليهم لكنهم رفضوا رسالته، وأبوا أن يتركوه وشأنه يُبلغ رسالة ربه، وأصروا على إلحاق الأذى به وبمن آمن معه واتبعه، وقد تحمل رسول الله e الأذى هو وأصحابه صابرين محتسبين على أمل أن يهدي الله القوم الكافرين، أو يكفوا أذاهم عنه وعن المسلمين، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، واضطر الرسول e ومن معه إلى الهجرة من مكة المكرمة إلى المدنية المنورة، هذا هو الواقع الذي عاناه ويعانيه المسلمون، فالمسلون مسالمون لا يرغبون في قتال أحد، وهم لا يَظلمون ولا يَرضَونَ بالظلم، ولا يَعتدون ولا يرضون بأن يُعتدى عليهم، وهذه هي غاية المسلم التي يطلبها من الله تعالى يومياً امتثالاً لهدي النبي e حيث كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: (بِسْمِ اللّهِ، رَبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَزِلّ، أَوْ أَضِلّ أَوْ أُضِلّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيّ) رواه النسائي ، وزاد الحاكم في المستدرك: (أو أَعتديَ أو يُعتدى علي، أو أكتسب خطيئة مخطئة أو ذنباً لا يغفر) فكل ما يريده المسلمون أن يعيشوا بالطريقة التي يأمرهم بها دينهم، أن يعبدوا الله الواحد، وان يطبقوا شريعته، وأن يبلغوا رسالة الله إلى كل خلق الله في كل الأرض كما أمرهم جلّ ذكره، فلو تركهم الناس، ولم يتعرضوا لهم ولم يعتدوا عليهم، ولم يحولوا بينهم وبين شعائرهم الدينية، فلن يقع قتال بين المسلمين وبين أحد من خلق الله تعالى.

    هذه هي حقيقة الإسلام التي أُمرنا أن نعلمها للناس، وبهذا أمرنا معلمنا الأول صلى الله عليه وسلم، وعلى خطاه سار أولياؤه المؤمنون، وآل بيته الطيبون الطاهرون، ومن هذا المنطلق كان المؤتمر الإسلامي وقبله رسالة عمان، لإظهار نصاعة الإسلام وسموه وتفوقه على القوانين والتشريعات كلها وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.

    فقد جاء في رسالة عمان التي أطلقها جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله: "وأعطى للحياة منزلتها السامية فلا قتال لغير المقاتلين، ولا اعتداء على المدنيين المسالمين وممتلكاتهم، أطفالاً في أحضان أمهاتهم، وتلاميذ على مقاعد الدراسة، وشيوخاً ونساءً".

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة سبتمبر 22, 2017 7:12 am