منتدى قلب الشام


    حكم ابن عطاء السكندري رحمه الله

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 152
    تاريخ التسجيل : 14/08/2009
    العمر : 22

    حكم ابن عطاء السكندري رحمه الله

    مُساهمة  Admin في الخميس أبريل 29, 2010 12:33 am

    من وحي مواكبة موسم الزيارة السنوية للمقام الشاذلي بتونس:

    مع حكم ابن عطاء الله السكندري: في بلاغتها ونورانيتها وإشراقاتها

    الاحد 19 تموز (يوليو) 2009 بقلم الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي
    قال لي محدثي: لم نقرا لك هذا العام ما عودتنا به من مواكبة لانطلاق موسم الزيارات السنوية الصيفية للمقام الشاذلي فلا يخفى عليك ما في ذلك من تذكير وتنبيه إلى اغتنام ما في ليالي الموسم الشاذلي من إشراقات روحية يحس بها كل من يرتاد هذه المجالس التي تتعطر وتتنور بما يرتفع في أرجاء المقام من تلاوة جماعية لأحزاب من كتاب الله العزيز وما يتبع ذلك من قراءة لأحزاب الإمام أبي الحسن الشاذلي (حزب البحر وما هو مرتب معه من أحزاب ووظائف شاذلية) ثم ما يختم به العمل الشاذلي من ذكر يمتد إلى مطلع الفجر يشهده بعض مريدي الطريقة الشاذلية.
    قال محدثي: لقد ظلت لك كل عامٍ سنة معتادة وحميدة تصف فيها بقلمك وتواكب بها بأسلوبك الماهر موسم الزيارة للمقام الشاذلي فيستفيد حتى من تمنعه موانع من الصعود إلى المقام وشهود فعاليات العمل الشاذلي.
    قال ذلك محدثي وليس هو الوحيد الذي سمعت منه مثل هذا الكلام سواء قبل أن اكتب ما تعودت كتابته أو بعد ذلك، واعتبر أن مثل هذه المتابعة والاهتمام بما يكتبه أي كاتب يحقق في حد ذاته للكاتب شيئا من راحة الضمير والسعادة التي لا يحس بها إلا من يعيش هم الكتابة ومعاناتها.
    قلت لمحدثي: حقا لم اكتب بعد ولا يهنأ لي بال ولا ارتاح إلا بعد إن اكتب عن الموسم الشاذلي اما عند افتتاحه وانطلاقه أو في وسطه: ليلة الختم الأول أو عند اختتامه في الأسبوع الرابع عشر والأخير أو اثر ذلك عند انتقال الجمع الشاذلي الكريم بكل أركانه وعلى رأسه فضيلة الشيخ سيدي حسن بن حسن شيخ المقام والمغارة إلى سيدي الشريف بحلق الوادي وسيدي أبي سعيد الباجي بجبل المنار.
    قلت لمحدثي: هذا العام أريد أن أحدث قرائي الكرام عن علم من أعلام الشاذلية وتلميذ من تلاميذ أبي العباس المرسي خليفة أبي الحسن الشاذلي انه ابن عطاء الله السكندري ترجمان الطريقة الشاذلية من عرف بعلميها: الإمام الشاذلي ووارثه أبي العباس المرسي، صاحب المؤلفات القيمة في بيان أحوال النفس وتهذيبها وفي تدرجها وسعيها إلى ربها للوصول إلى مرتبة تسقط فيها التدبير مع رب العالمين وهو العنوان المعبر عن مضمون كتابه (التنوير في إسقاط التدبير) ولابن عطاء السكندري في أحوال النفوس (تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس) وهو كتاب نفيس يصب في نفس الوادي وينهل من نفس العين الصافية العذبة. ولكن أهم كتب ابن عطاء الله على الإطلاق وأكثرها انتشارا بين أيدي الناس، الكتاب الذي اقبل على دراسته الخاصة والعامة هو الحكم العطائية وقد عُدَّ كلام ابن عطاء الله فيها ابلغ كلام بعد كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قيل في روعة صياغتها وغوص صاحبها في أعماق أعماق النفس البشرية حيث صور بدقة عجيبة مختلف تقلباتها وأحوالها قيل في بلاغة حكم ابن عطاء الله وقوة دلالتها وصدق توجهها وتعبيرها عن حقيقة العبودية وصدق وإخلاص التعامل مع الذات الإلهية، قيل انه لو جازت الصلاة بكلام سوى كلام الله لجازت الصلاة بالحكم العطائية، فحكم ابن عطاء الله تعبر عن رسوخ قدم هذا الفارس من فرسان الشاذلية وهذا العلم البارز من أعلامها فقد حمل لواءها ورفع ذكرها ورد عنها بقوة الحجة النقلية والعقلية كل تقولات خصومها من العلماء الكبار الذين تصدى لهم ابن عطاء الله بما جمع الله فيه وله من تمكن في علمي الشريعة والحقيقة، لقد كان ابن عطاء الله لسان حال الجماعة الشاذلية وكذلك لسان حال كل أصحاب الحالات والمقامات الإحسانية العرفانية الروحانية الربانية فلا غرابة ولا عجب أن تنتشر حكم ابن عطاء الله ومأثوراته في المشرق والمغرب فتحفظ عن ظهر قلب وتعقد لدراستها المجالس العلمية ويكتب لها الشروح المطولة كبار العلماء في مختلف العصور، لقد غدت حكم ابن عطاء الله موردا ثريا للحقائق النورانية اقتبس منها ونسج على منوالها كل ما جاؤوا بعده وبقيت حكم ابن عطاء الله هي الأرفع درجة والأبلغ معنى ومبنى، إنها حكم نورانية ربانية تطفح بالإشراقات الروحانية تخشع عند قراءتها قلوب العارفين وتذرف تأثرا بها دموع السالكين المحبين، كأن حبر كلماتها لم يجف يصدق عليها بحق ما قاله سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام فيما سمعه من سيدي أبي الحسن الشاذلي في احد مجالسه قال (اسمعوا هذا الكلام القريب العهد من الله) وهل ابن عطاء الله إلا تلميذ في مدرسة أبي الحسن القائل وقد سئل عن كتبه: (كتبي أصحابي) وابن عطاء الله هو تلميذ تلميذ أبي الحسن الشاذلي، أوتي ابن عطاء الله الحكمة ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. والله تبارك وتعالى هو الذي يؤتي الحكمة لمن يشاء من عباده، وللحكمة نورانية وإشراقة تنفذ بها إلى القلوب مباشرة تخترق كل الكثافات لأنها من النور الذي يقذفه الله في قلوب عباده الصالحين من المجتهدين في الطاعات الذين هم من المحبين المحبوبين وابن عطاء الله من هؤلاء الذين أحبوا الله فأحبهم وحببهم لعباده. إن ابن عطاء الله هو احد ابرز رموز الشاذلية خصوصا والصوفية عموما. الصوفية في معانيها ومضامينها الروحانية الربانية التي تترفع عن الاختلافات والنزاعات اللفظية الشكلية لتنفذ إلى اللب والجوهر والذي محله الروح والتي هي من أمر الله (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي).
    ابن عطاء الله هو احد فرسان الكلام البليغ الجميل الذي له أنوار، والذي له إشراق، وله عمق، وفيه ثراء كل ذلك يصدق على حكم ابن عطاء الله ومأثوراته وكلماته وسبحاته الروحية المتمثلة في تلك الاستغاثات والمناجاة والشكاوى التي يتوجه بها إلى خالقه ومولاه والتي يعبر بها عمّا في أنفس ودواخل كل من هم على مشربه من المحبين المتعلقين برب العالمين وحبيبه سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
    حكم ابن عطاء الله ومأثوراته كانت ولا تزال المعين العذب الذي يغترف منه كل من ينشدون بلوغ مراتب الطمأنينة القلبية والراحة النفسية والسعادة الحقيقية على مختلف مشاربهم ومذاهبهم وحتى عقائدهم وأديانهم ولا غرابة ان ينكب على حكم ابن عطاء الله ومأثوراته واستغاثاته ودعواته المسلمون وغير المسلمين ممن ينشدون الخلاص الذي لا يجدونه إلا لدى أصحاب هذا المشرب وعندهم، فعالم الأرواح عالم عجيب غريب الأطوار لا يحده الزمان ولا يحيط به المكان ولا يفرق بين الناس بسبب الألوان والأجناس.
    إن حكم ابن عطاء الله ومأثوراته ودعواته واستغاثاته وسائر إشراقاته وتجلياته، هي من الله والى الله، صاغها عالم رباني موصول بالله لا تنفك تترجم إلى كل اللغات: لغات الشعوب الإسلامية واللغات الأجنبية وتكتب حول مضامينها البحوث المعمقة والشروح الضافية.
    وهل يمكن أن ننهي هذا التعريف بهذا العلم من أعلام الشاذلية والتصوف الإسلامي دون أن نورد للقارئ شيئا من حكمه البليغة لعلها تكون خير دافع للاطلاع على الحكم كاملة كما جاءت في كتبه ومؤلفاته: الحكم، وتاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس، والتنوير في إسقاط التدبير، ولطائف المنن، وغيرها مما ترك من بعده مما لم ينقطع انتفاع الناس به مشرقا ومغربا.
    يقول ابن عطاء الله:


      <LI class=spip>من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل.

      <LI class=spip>أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك.

      <LI class=spip>اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك.

      <LI class=spip>لا تطلب منه أن يخرجك من حال ليستعملك فيما سواه فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج.

      <LI class=spip>لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها.

      <LI class=spip>من أشرقت بدايته أشرقت نهايته.

      <LI class=spip>تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير لك من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب.

      <LI class=spip>أصل كل معصية وشهوة الرضا عن النفس واصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه فأي علم لعالم يرضى عن نفسه؟

      <LI class=spip>لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله.

      <LI class=spip>ما قل عمل برز من قلب زاهد ولا كثر عمل برز من قلب راغب.

      <LI class=spip>من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات وترك الندم على ما فعلت من وجود الزلات.

      <LI class=spip>لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه.

      <LI class=spip>لا صغيرة إذا قابلك عدله ولا كبيرة إذا واجهك فضله.

      <LI class=spip>لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده ويحتقر عندك وجوده.

      <LI class=spip>الأنوار مطايا القلوب والأسرار.

      <LI class=spip>ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر طمع.

      <LI class=spip>أنت حر مما أنت عنه آيس وعبد لما أنت له طامع.

      <LI class=spip>من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها.

      <LI class=spip>إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى.

      <LI class=spip>العطاء من الخلق حرمان والمنع من الله إحسان.

      <LI class=spip>ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول وربما قضى عليك بالذنب فكان سببا في الوصول.

      <LI class=spip>رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا.

      <LI class=spip>متى أوحشك من خلقه فاعلم انه يريد أن يفتح لك باب الأنس به.

      <LI class=spip>متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم انه يريد أن يعطيك.
    • العارف لا يزول اضطراره ولا يكون مع غير الله قراره.

    والمضي مع ابن عطاء الله في حكمه لا يمل وهي أكثر مما أوردنا وهي بحق كلام قريب عهد من الله لأجل ذلك انكب عليها العلماء قديما وحديثا يجعلونها منطلقا لدروسهم التي تشد إليها الناس بنورانيتها وإشراقاتها كما كتبت لحكم ابن عطاء الله شروح [ذكر منها الشيخ علي البيومي في شرحه للحكم أكثر من خمسين شرحا.] القليل منها مطبوع ومنشور والكثير الأغلب لا يزال في المكتبات الخاصة والعامة ينتظر من يحققه ويخرجه للناس حتى يستفيدوا به ويكرعوا من معينه العذب، انه غذاء الروح في زمن شدة تعطش الروح إلى مثل هذا النوع من الشراب الحلال.
    أرجو أن يكون فيما أوردته من حكم ابن عطاء الله وما قدمته بها ما يمكن أن تكون فيه المواكبة للموسم الشاذلي الجارية فعالياته كل يوم خميس بالمقام الشاذلي وأن يكون في ذلك الجواب عما سألني عنه وطلبه مني محدثي.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة سبتمبر 22, 2017 7:25 am